نزوح الكفاءات الألمانية يثير قلق المستقبل الاقتصادي
تسجيل ألمانيا لأعلى معدل للهجرة السالبة منذ سنوات مع مغادرة 289 ألفا في 2025، مما يعكس تحولاً جذرياً في خيارات الشباب نحو وجهات أوروبية وعربية.
ظاهرة “فيرنفي” ونزوح الشباب
تشهد ألمانيا تزايداً ملحوظاً في عدد مواطنيها الذين يختارون بناء مستقبلهم خارج الحدود، في ظاهرة تعكس شعوراً متجذراً في الوعي الجمعي باسم “فيرنفي” (Fernweh)، أي الشوق إلى الأماكن البعيدة. ويدفع هذا الشعور بعض الألمان بعيداً عن بيروقراطية البلاد وارتفاع الضرائب، بينما يبحث آخرون عن مناخ أكثر دفئاً أو فرصاً مهنية أفضل. وأظهر استطلاع أجرته مؤسسة “يوغوف” العام الماضي أن أكثر من نصف الألمان يمكنهم تصور العيش خارج بلادهم يوماً ما.
أرقام قياسية في الهجرة السالبة
وأكدت بيانات المكتب الاتحادي للإحصاء استمرار الاتجاه القائم منذ عام 2005، حيث غادر نحو 289 ألف مواطن ألماني البلاد في العام الماضي 2025، وهو أعلى رقم يُسجل منذ سنوات. وفي المقابل، عاد أو انتقل إليها نحو 192 ألفاً فقط، ما أسفر عن صافي هجرة سالب يقارب 97 ألف شخص. وتتميز هذه الموجة بأن الغالبية العظمى من المغادرين تنتمي إلى الفئة العمرية بين 18 و45 عاماً، وهي الشريحة الأكثر قدرة على العمل والإنتاج والابتكار.
تحول الوجهات: من أوروبا إلى الخليج ومصر
وبحسب الخبير الاقتصادي شتيفان كوليف، رئيس منتدى لودفيغ إرهارد في برلين، فإن الأسباب الاقتصادية هي البارزة لدى الشباب، حيث ذكر أن نصف الشباب يتخيلون حياة في الخارج ونصف هؤلاء لديهم خطط محددة. وحلت سويسرا والنمسا محل الولايات المتحدة كوجهتين مفضلتين بسبب القرب وعدم الحاجة لتعلم لغة جديدة. أما إسبانيا فتظل الخيار الأكثر شيوعاً للمتقاعدين.
وفي الوقت نفسه، بدأت دول عربية مثل الإمارات العربية المتحدة ومصر تفرض حضورها على خريطة الهجرة الألمانية. وتشير تقارير إلى تنامي اهتمام الألمان بدبي وأبوظبي بفضل المزايا الضريبية وفرص التكنولوجيا والخدمات، ودعم جالية نشطة ومؤسسة غرفة الصناعة والتجارة الألمانية الإماراتية (AHK). كما برز مجتمع ألماني لافت في الغردقة المصرية يضم مقيمين ومتقاعدين وعاملين في السياحة، لدرجة أعلن فيها أحد سياسيي حزب “البديل من أجل ألمانيا” عزمه الانتقال للعيش هناك.
تحديات ديموغرافية واقتصادية
ولا يقتصر الأمر على المواطنين الألمان، بل بدأت مؤشرات التراجع تظهر أيضاً بين المهاجرين من أوروبا الشرقية، حيث أصبح عدد البولنديين والرومانيين والبلغاريين المغادرين أكبر من الوافدين لأول مرة منذ سنوات. ورغم بقاء ألمانيا وجهة جاذبة للوافدين، فإن الفائض لم يعد كافياً لتعويض الخسارة الديموغرافية الناتجة عن انخفاض معدلات المواليد منذ عام 1972 وهجرة المواطنين منذ 2005. وتنظر الحكومة الاتحادية لانخفاض طالبي اللجوء كنجاح إداري، لكن الخبراء يحذرون من أن تراجع النمو السكاني قد يخلق تحديات بنية تحتية وتعليمية طويلة المدى، كتأثر المدارس بانخفاض أعداد التلاميذ.
أُعدّ هذا التقرير في غرفة أخبار المصطبة.